ابن كثير

313

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 29 إلى 30 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 ) يخبر تعالى أنه يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني يأخذ منه في النهار فيطول ذاك ، ويقصر هذا ، وهذا يكون زمن الصيف ، يطول النهار إلى الغاية ، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار ، وهذا يكون في الشتاء وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قيل إلى غاية محدودة ، وقيل إلى يوم القيامة ، وكلا المعنيين صحيح ، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر رضي اللّه عنه الذي في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس ؟ » قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال « فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت » « 1 » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح ، حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس أنه قال : الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها ، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها ، قال : وكذلك القمر ، إسناده صحيح . وقوله وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ كقوله أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الحج : 70 ] ومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء ، كقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] الآية . وقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ أي إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق ، أي الموجود الحق الإله الحق ، وأن كل ما سواه باطل ، فإنه الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه ، لأن كل ما في السماوات والأرض الجميع خلقه وعبيده ، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه ، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن ذلك ، ولهذا قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي العلي الذي لا أعلى منه ، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء ، فكل خاضع حقير بالنسبة إليه . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 31 إلى 32 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) يخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره ، أي بلطفه وتسخيره ، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت ، ولهذا قال لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ أي من

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 36 ، باب 1 ، وبدء الخلق باب 4 ، ومسلم في الإيمان حديث 250 .